كنز العقلاء

فاطمة الزهراء

 عندما نستوقف شيخ جليل ليحدثنا بما لا يراه الآخرون ندرك تماماً موطن الحكمة ،والمعرفة التى ارتأى إليها الشيخ أو الشخص العاقل . وفى الحال نسم الأخير بالحكمة موطن العقلاء .

 هكذا دوماً تقترن الحكمة بالاتزان العقلى ،والنضج فى التفكير . وكأن الحكمة لها فلسفة خاصة تسم العقلاء فحسب، وتزن تصرفاتهم ،وحواراتهم . حوارات “سقراط” ، ومحاضرات “أفلاطون” ، ومبادئ “أوغسطين” ، وتعاليم “روسو” ، وقراءات “ابن خلدون” ، وتوازنات “ابن رشد” ، ونقود “كانط” ، وتساؤلات “سارتر” ، وروائع” شكسبير” ، ورمزية “جان أوستين” ، وغيرهم من الفلاسفة ،والشعراء، والأدباء ممن خبروا الحكمة ، وتجسدت فى مقولاتهم ،وأعمالهم ،وكتاباتهم التى لاتزال تشكل عقول، ووجدان الكثيربن حتى اللحظة الراهنة .

الحكمة بهذا المعنى كنز العقلاء ، حقيقة لا جدال فيها ؛ إلا أنه لا يصل إليها إلا ذوى العقول الناضجة التى تجتاز التحديات، والصعوبات، والامتحانات الدنيوية لتصل إلى مرتبة الحكمة . والشخص الحكيم عالم ،وفقيه، وذو رؤية مستقبلية جديرة بالنظر، والاهتمام .

ولعل المشهد الحالى للكثير مما تعانيه الدول العربية من وعى مغيب ، وتبعية لأفكار دخيلة ، وقصور فى التعليم ، وجهل فى الحكم على الأمور ، والاختيارات العشوائية المنبثقة من إملاءات أيديولوجية ، لا عن قناعات ذهنية كلها دلالات على ضمور الحكمة كنز العقلاء.

  ولا يخفى علينا أن عصور الاستبداد ،والقهر، والظلم ،والاستعمار استنزفت عقول الكثير من الأفراد فى شتى المجتمعات لاسيما الشعوب العربية ، جعلتهم غرباء فى أوطانهم ،وأراضيهم ، ومكنت منهم الجهل، والمرض ، والبطالة ، وانعدام القدرة على التفكير المنطقى إلا فقط فى كسب لقمة العيش  ، والتحسب للحظة الراهنة فحسب محور التفكير الركيز  أما القدرة على النقد، والتحليل ،والتفكير فى المستقبل ، والتنمية لا مجال له مع المقهورين ،والمهمشين ،والمستعمرين سياسياً أو أيديولوجياً أو ثقافياً .

والخطورة الحقيقية تكمن عندما يختلف غير العقلاء مع بعضهم البعض ، وينقسم المشهد إلى مسرحية هزلية لا تنتهى طرفاها لا يمتلكا الحكمة مطلقاً أو المقدرة على حل المشكلات بعقلانية، وروية .

يصبح حينئذٍ المشهد كارثياً إذ يستشرى الجهل ،والتخلف، ويتكاثر ،ويظن كل طرف أنه يمتلك الحكمة ،والمعرفة الحقة ، ويتهم الطرف الآخر بالجهل ،والتطرف ، والسفور .

  ومع كل هذا  الظلام، والجهل تظهر الحكمة  كنز العقلاء كطرف ثالث يفصل النزاع بين طرفى النقيض غير العقلاء المتنازعين على الوهم ،والسراب .

هذا ما حدث فى تاريخ العالم القديم، والحديث ،والمعاصر دوماً بعد عصور الظلام ،والجهل، والتخلف تظهر الحكمة من جديد لتقضى على وجوه الجهل، والتطرف ،وادعاء المعرفة بلا وعى أو عقلانية.

 إذن لنتأمل تاريخ الدول، والشعوب لنعلم أنه ما استقر حال مجتمع أبداً على تخلف أو تقدم أو حتى طور النمو ، إنها دورة الحياة التى تُعلِن يوماً ما عن موعد قدوم الحكمة “كنز العقلاء” حقاً.